
ابتكار موريتاني سبق عصره بقلم: د. سيدي اصوينع | جامعة نيو ساوث ويلز — سيدني، أستراليا 2003
في عام 2003، وبينما كان العالم التقني يتحسّس خطواته الأولى في مجال التقنيات القابلة للارتداء، كنت أجلس أمام حاسوبي في مختبرات قسم علوم الحاسوب والهندسة بجامعة نيو ساوث ويلز في سيدني. في تلك الغربة، وتحديداً مع اقتراب ليالي رمضان، كان يشغلني هاجس يجمع بين أعمق ما في تراثنا الإسلامي وأحدث ما توصلت إليه علوم الحوسبة.
الفكرة كانت بسيطة في جوهرها، عميقة في تأثيرها الا وهي كيف نتيح للمصلي في صلوات القيام والتراويح قراءة القرآن الكريم كاملاً، بخُشوع تام ودون أن نُقيّد حركة يديه بحمل المصحف أو تقليب صفحاته؟
الحل الذي صممته كان نظارة ذكية مستقلة بذاتها، تعرض آيات الذكر الحكيم أمام عيني المصلّي مباشرةً. لم تكن مجرد شاشة، بل منظومة ذكية تعمل بتقنية الإسقاط الدقيق (MEMS Micro-projection) وتعتمد على التتبع البصري لحركة العين؛ بحيث يتوقف التمرير آلياً أثناء الركوع والسجود، ثم يستأنف تلقائياً بمجرد قيام المصلّي.
حين تقدّمت بهذه الفكرة إلى الجامعة الأسترالية، أدركوا فوراً قيمتها الابتكارية. أحالت الجامعة الأمر إلى ذراعها التجارية (Unisearch Limited)، اصبح لديها اسم آخر الآن ووكلت أحد أعرق مكاتب محاماة الملكية الفكرية في أستراليا (Freehills Carter Smith Beadle). وفي 24 مارس 2003، صدر قرار قبول طلب براءة الاختراع الأسترالية تحت رقم 2003901335 وبعنوان: Wearable Device for a Praying Person.
اليوم، في عام 2026، تُباع نظارات الواقع المعزز بمليارات الدولارات وتتنافس عليها كبريات شركات وادي السيلكون مثل Apple وMeta وGoogle. لا أدّعي أنني كنت وحيداً في استشراف هذا المستقبل — ولكن ما أقوله بثقة وفخر، هو أن عقلاً مسلماً موريتانياً فكّر في توظيف هذه التقنية لخدمة كتاب الله غز جل قبل عشر سنوات كاملة من إعلان "غوغل" عن نظارتها الأولى.
كانت الفكرة سابقة لعصرها تقنياً، وكانت تنتظر نضوج صناعة الشاشات والبطاريات الدقيقة التي نعيشها اليوم، لكن العائق الأكبر لم يكن تقنياً فحسب، بل كان غياب البيئة الحاضنة في أوطاننا. لقد احتضنت أستراليا الفكرة وسجلتها كسبق علمي، بينما غاب وطني الغالي موريتانيا عن المشهد تماماً، ولم يجد الابتكار مؤسسة وطنية واحدة ترعاه ليرى النور كمنتج تجاري إسلامي عالمي رغم المحاولات المتعددة في الوطن والامارات.
غادرت البلاد الأسترالية الجميلة لسبب مرض الوالد آنذاك إلى الوطن ومن ثم إلى الولايات المتحدة.
لماذا أتحدث عن هذا الآن؟ ليس من باب الفخر الشخصي، بل لأن هذه القصة تفتح نافذة على المستقبل الذي نتمناه جميعاً لبلدنا. كم من عقل ومخترع موريتاني اليوم — في الداخل أو في المهجر — يملك أفكاراً قد تغير وجه الاقتصاد والإدارة والتكنولوجيا، لكنه ينتظر الحاضنة والفرصة الحقيقية ليخدم وطنه.
لن ابالغ اذا قلت ان العديد منهم يتم تهميشه واقصاؤه من المشهد العلمي والخدمي والاعمال.
إن الأمم لا تتقدم بالثروات الطبيعية المدفونة تحت الأرض وحدها، بل تتقدم باستثمارها في العقول المتقدة في الرؤوس، وتمكين الكفاءات وأصحاب الاختصاص والخبرات الحقيقية في مفاصل المشاريع الوطنية الكبرى، لأن وضع الشخص المناسب في المكان المناسب هو الضمانة الوحيدة لنجاح أي خطة تنموية.
ومن هنا، ومن خلال مشروع "موريتانيا النسخة الثانية"، نمد أيدينا بكل تجرد ووطنية، ونضع خبراتنا وعلاقاتنا الأكاديمية والتقنية الدولية تحت تصرف وطننا، وندعو كافة الجهات الحكومية والمؤسسات الوطنية لفتح قنوات شراكة حقيقية مع الخبراء والمبتكرين الموريتانيين لإشراكهم في رسم معالم التحول الرقمي والتكنولوجي للبلاد.
نحن لا نبحث عن مجرد التقدير، بل نبحث عن الفرصة لنساهم في بناء موريتانيا الحديثة، فبلادنا تستحق أن تُدار وتُبنى بأيدي أكفأ أبنائهنا.
هذا هو صميم وبوصلة مشروعنا "موريتانيا النسخة الثانية" القائم أساسا على فكرة التطور المرتكز على الإنسان.
#موريتانيا_2_0 #ابتكار_موريتاني #القرآن_الكريم #تقنية_وإسلام #موريتانيا #MiFiTT
