
بينما يترنح الشرق الأوسط وغرب آسيا على حافة مواجهة أوسع نطاقا- تتحول بشكل ينذر بالخطر إلى تصعيد أكثر خطورة- اتخذت باكستان قرارا حكيما ورصينا بدعوة وزراء خارجية السعودية، وتركيا، ومصر، إلى إسلام آباد في 29-30 مارس/ آذار 2026.
وبصفتها الوسيط الرئيسي، فإن باكستان لا تضع نفسها في موقع الجار المهتم والطرف المعني، بل كوسيط موثوق لخفض التصعيد. وسيتطلب ذلك الدعم الكامل من هذه الدول، التي كانت هي نفسها تسعى إلى وقف الحرب التي يتسع نطاقها بسرعة. فما ينتظرنا هو جهد جماعي.
ويهدف هذا الجهد إلى المضي قدما في الوساطة والتيسير لإنهاء هذا الصراع المدمر الذي أودى بحياة الآلاف في جميع أنحاء المنطقة، وعطل الأسواق الدولية، ووجّه ضربات مؤلمة لدول الخليج، التي طالما اعتُبرت مراكز آمنة ومزدهرة للاتصال والرخاء. ولا يزال غضب الحرب الذي لا يهدأ مستمرا بلا هوادة، مما قد يجعلها الصراع الأكثر تدميرا منذ الحرب العالمية الثانية.
سيكون اجتماع إسلام آباد بمثابة إشارة إلى أن عملية الوساطة لم تتوقف، وتتمثل مهمته الأساسية في إيجاد سبل لتخفيف حدة التوترات، وتهدئة الحرب، وتمهيد الطريق لوقف إطلاق النار، وتجنب كارثة إقليمية أو عالمية أوسع نطاقا، والبدء في التخطيط لليوم التالي. وسيستغرق إصلاح الأضرار الهائلة التي تسببت فيها الحرب سنوات، إن لم يكن عقودا.
ويواجه وزراء الخارجية مهمة شاقة؛ حيث سيتفاوضون على رمال أرضية غير مستقرة، فقد حددت كل من الولايات المتحدة وإيران شروطا صارمة ومتصلبة، وتبدو غير قابلة للتوفيق لوقف إطلاق النار؛ ومع ذلك، أرسل كلا الطرفين إشارات موثوقة عن استعدادهما للحوار، مع الحفاظ على مجال لإنكار محتمل. ولزيادة تعقيد الأمور، نأت إسرائيل بنفسها عن الانخراط في عملية الوساطة.
ورغم تأكيد الرئيس دونالد ترمب أن الولايات المتحدة ستؤجل ضرب منشآت الطاقة الإيرانية لمدة عشرة أيام، فإن الأعمال العدائية أو ووحشية الحرب لم تتوقف. بل على العكس، فقد ازدادت شدة وفتك الهجمات والهجمات المضادة بشكل خطير، مما يطرح تحديات هائلة أمام الدبلوماسية الهادئة والمتكتمة وغير البارزة.
وتهدد الضربات على المنشآت النووية والبنية التحتية المدنية بإطلاق سيناريو التدمير المتبادل المؤكد، وهذا ليس سيناريو يوم القيامة البعيد، لكنه مسار ربما يكون قد بدأ بالفعل. ولكن رغم هذه العوائق، سيستمر صانعو السلام في بذل كل ما في وسعهم.
تتمتع باكستان بمكانة متميزة تؤهلها للعمل كوسيط في هذا السياق المعقد؛ فهي تحافظ على علاقات وثيقة مع كل من الولايات المتحدة وإيران، وكذلك علاقات قوية مع دول الخليج.
وقد دفعت هذه الشبكة الواسعة من الثقة الأطراف المعنية الرئيسية- من واشنطن إلى طهران إلى عواصم الخليج- إلى النظر لباكستان كشريك موثوق لمثل هذا الدور الحساس، كما يعزز سجل إسلام آباد الحافل هذه النظرة: حيث ساهمت في تسهيل التقارب الأمريكي الصيني عام 1971، ودعمت الحوار بين الولايات المتحدة وطالبان الأفغانية عام 2020، وقد ساهمت مؤخرا في تسهيل التبادلات الدبلوماسية السرية بين الولايات المتحدة وإيران عام 2025.
وتواصل باكستان الحفاظ على علاقات عملية- ودافئة بشكل ملحوظ في بعض الحالات- مع جميع الأطراف الرئيسية الفاعلة في الأزمة الجارية.
وعززت باكستان شراكاتها الإستراتيجية بشكل أكبر في السنوات الأخيرة؛ حيث تؤكد "اتفاقية الدفاع المتبادل الإستراتيجية" مع السعودية على التعاون الأمني العميق بين البلدين؛ وتحالفها الوثيق مع تركيا يعكس رؤية مشتركة للاستقرار والازدهار الإقليمي، بينما تظل مصر ركيزة أساسية للدبلوماسية العربية.
والأهم أن باكستان وإيران حافظتا على علاقة بناءة رغم الخصومات الإقليمية؛ حيث سهلت إسلام آباد بهدوء جهود تخفيف التوتر بين الرياض، وطهران.
وفي الوقت نفسه، تطورت العلاقات الباكستانية الأمريكية إلى شراكة أوسع وأكثر مرونة. لذلك، تمكن كل هذه العوامل مجتمعة إسلام آباد من التواصل عبر الانقسامات دون أن تبدو متحيزة.
وقد حظيت الجهود الدبلوماسية الباكستانية بدعم من الصين وماليزيا أيضا، مما عزز المساعي الرامية إلى منع المزيد من التصعيد. وفي الوقت نفسه، من المهم الإقرار بالمساهمات الهامة التي قدمتها قطر وعُمان؛ حيث ساعدت مشاركتهما المستمرة في توجيه الأطراف المتحاربة نحو الحوار.
وتعد مهمة اجتماع وزراء الخارجية في إسلام آباد حاسمة للغاية؛ حيث لم يعد التهديد الذي يواجه الشرق الأوسط مقتصرا على التصعيد المباشر، بل يمتد ليشمل الانهيار الإستراتيجي والاقتصادي، ويجب وضع حد لهذا الاتجاه؛ فإذا لم يتوقف الانهيار الوشيك الآن، فإن سلسلة الاضطرابات قد تدمر حتى أغنى دول العالم الإسلامي، وربما تغرق العالم في حرب أوسع نطاقا. وهذا ليس مجرد افتراض؛ بل هو حقيقة واضحة لا مفر منها.
لن تسعى باكستان وضيوفها الثلاثة إلى اختراق دراماتيكي وفوري نظرا لتعقيد الوضع، فالوساطة بطبيعتها عملية تدريجية متعددة المستويات، وإذا تحقق أي تقدم، فسيكون على الأرجح محسوبا وتدريجيا.
وغالبا ما يكمن نجاح الدبلوماسية الخلفية في خطوات متكتمة ومتسلسلة بعناية وليس في المواقف العلنية؛ ففي لحظات التوتر الشديد، يمكن للخطابات العلنية أن تجعل المواقف أكثر صلابة؛ بينما تخلق الدبلوماسية الهادئة مساحة للتسوية.
ورغم أن اجتماع وزراء الخارجية قد يساعد في بناء إجماع إقليمي، فإن مسؤولية إيجاد أرضية مشتركة- نقطة الوسط- تقع في نهاية المطاف على عاتق الولايات المتحدة وإيران. كما أن هناك توقعات بأن تقنع واشنطن الجانب الإسرائيلي بالانضمام إلى الالتزامات الدبلوماسية الأوسع نطاقا.
وستحقق وساطة ناجحة مكاسب إستراتيجية واقتصادية لباكستان من خلال تعزيز مكانتها الدبلوماسية.
ومع ذلك، تظل هناك مجموعة من التحديات والمخاطر الكامنة:
- أولا، هناك عدم تماثل هيكلي في الصراع، وأهداف الولايات المتحدة وإسرائيل لا تتطابق تماما، وقد يتم تقويض أي اختراق إذا واصلت تل أبيب متابعة أجندتها الإستراتيجية الخاصة.
- ثانيا، إغلاق إيران الانتقائي لمضيق هرمز، إلى جانب مطالباتها بالسيادة عليه، يعقد الوضع أكثر.
- ثالثا، قد تحدّ إدانة باكستان القوية لضربات إسرائيل على إيران- رغم أنها تلقى استحسانا على المستوى المحلي- من استعداد إسرائيل لقبول حل دبلوماسي بوساطة إسلام آباد، ما لم تلعب الولايات المتحدة دورا للتقريب بين الطرفين، لذلك ستحتاج دبلوماسية باكستان إلى السير على أرضية مرنة.
وأخيرا، تعد جهود الوساطة هذه اختبارا لما إذا كان العالم مستعدا للعودة إلى نظام دولي قائم على القواعد، أم إنه ينجرف نحو نظام جديد غير محدد بعد من الحوكمة العالمية؛ أو غيابها.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
