
المهندس، اعل سالم ولد السالك
Block C8 او ما يعرف بحقل بيرالله ليس مجرد اكتشاف عادي، بل هو أحد أكبر اكتشافات الغاز العميق عالميًا، باحتياطيات قد تصل إلى 80 تريليون قدم مكعب،علي بعد بعد نحو 100 كم من الساحل وعلى أعماق تقارب 3000 متر تحت سطح البحر، فيما يُعرف ببيئة المياه فائقة العمق (Ultra Deepwater / Eaux très profondes). وهو أكبر من حقل GTA (أحميم) من حيث الموارد، ويقع بالكامل داخل المياه الموريتانية، ما يمنح الدولة سيادة كاملة عليه.

لكن، ورغم هذه الأهمية، ليس كل اكتشافٍ ضخم نعمةً سهلة المنال، فبعض الثروات تحتاج إلى قدرٍ من الذكاء والصبر قبل أن تتحول إلى عوائد حقيقية. هذا هو حال بيرالله، الذي يُنظر إليه كفرصة تاريخية، لكنه في جوهره ليس مجرد “خزان غني”، بل نظام جيولوجي معقد أو ما يُعرف بـ الخزان المركب (Complex Reservoir / Réservoir complexe).
المشكلة لا تبدأ من الأرقام، بل من ترتيب الأولويات وفهم طبيعة الخزان. فبيرالله لا يتكون من خزان واحد متصل أو خزان متجانس (Homogeneous Reservoir / Réservoir homogène)، بل من عدد كبير من الجيوب الغازية أو المقصورات (Gas Compartments / Compartiments de gaz) المنتشرة في باطن الأرض. هذه الجيوب قد تكون مترابطة عبر قنوات دقيقة تُعرف بـ قنوات التدفق (Flow Channels / Canaux d’écoulement)، وقد تكون معزولة جزئيًا أو كليًا، ولا توجد حتى اليوم وسيلة علمية قاطعة، حتى مع استخدام أحدث تقنيات المسح الزلزالي (Seismic Survey / Sismique)، لتحديد درجة هذا الترابط قبل بدء الإنتاج الفعلي.

وهنا يتحول الاستثمار من مشروع محسوب إلى مغامرة عالية الكلفة، لأن عدم فهم سلوك الخزان أو ديناميكية الخزان (Reservoir Dynamics / Dynamique du réservoir) قد يؤدي إلى قرارات تشغيلية خاطئة، لا تعني فقط ضعف العائد، بل قد تترجم إلى خسارة مليارات الدولارات.
في مثل هذه الحالات، لا يكون الحل في الإسراع، بل في التدرج. القاعدة المعروفة في صناعة النفط والغاز تقول إن الخزانات المعقدة تُفهم بالإنتاج، لا بالتوقعات. ولذلك، فإن المنهج الفني السليم يبدأ بحفر آبار مائلة أو الحفر الاتجاهي (Directional Drilling / Forage directionnel)، للوصول إلى أكبر عدد ممكن من الجيوب الغازية، ثم إطلاق إنتاج محدود أو ما يُعرف بـ الإنتاج التجريبي (Pilot Production / Production pilote)، يسمح بمراقبة سلوك الخزان وتحليل استجابته.
بهذه الطريقة فقط يمكن فهم الترابط بين الجيوب، وهل يؤدي السحب من جيب معين إلى دعم جيوب أخرى أو إلى استنزافها، وهو ما يُعرف بتحليل تواصل الخزان (Reservoir Connectivity / Connectivité du réservoir)، وهو عنصر حاسم في تحديد عدد الآبار المطلوبة وخطة التطوير المثلى.
هذه المقاربة ليست ترفًا علميًا، بل ضرورة اقتصادية صارمة. فتكلفة البئر الواحدة أو بئر الإنتاج (Production Well / Puits de production) قد تصل إلى 200 مليون دولار، خاصة في بيئة المياه فائقة العمق. وبالتالي، فإن أي خطأ في تصميم شبكة الآبار أو نمط التطوير (Field Development Plan / Plan de développement du champ) قد يتحول إلى نزيف مالي يصعب تعويضه.
ومن هنا، يصبح الإنتاج التدريجي ليس خيارًا محافظًا فحسب، بل الخيار الأكثر ربحية، لأنه يقلل الاستثمار الأولي أو رأس المال (Capital Expenditure – CAPEX / Dépenses d’investissement)، ويحسن من كفاءة الاستخراج أو معدل الاسترداد (Recovery Factor / Taux de récupération) مع مرور الوقت.
غير أن نقطة الخلاف لم تكن في تشخيص التعقيد فقط، بل في كامل المنظومة الاقتصادية للمشروع، بما في ذلك طبيعة الشراكة نفسها. فخلافًا لبعض النماذج التي تعتمد مبدأ تمويل حصة الدولة مسبقًا (Carried Interest / Participation portée)، حيث يتولى الشريك تمويل نصيب الدولة ثم يُسترجع لاحقًا من الأرباح، فإن نموذج بيرالله لم يعتمد هذا الأسلوب، بل اشترط أن تقوم الدولة بتمويل حصتها منذ البداية ضمن ما يُعرف بـ التمويل المباشر للشركاء (Equity Financing / Financement en fonds propres).
وهذا المبدأ يُعد شائعًا في المشاريع الكبرى، ويعكس توزيعًا مباشرًا للمخاطر والعوائد، لكنه في المقابل يتطلب قدرة مالية فورية، وقد يكون أحد الأسباب غير المعلنة لضعف الحماس للدخول في المشروع بالشروط المطروحة، خاصة في ظل ضخامة الاستثمارات المطلوبة.
وفي هذا السياق، قُدّم تصور يعتمد على البدء بإنتاج منخفض في حدود مليون طن سنويًا من الغاز الطبيعي المسال (LNG – Liquefied Natural Gas / Gaz naturel liquéfié)، باستثمار إجمالي يقارب 17 مليار دولار، مع التوسع التدريجي بناءً على المعطيات الفعلية للخزان. هذه الرؤية تقوم على مبدأ هندسي واقتصادي واضح: افهم أولًا، ثم توسع.
في المقابل، تم الدفع نحو نموذج إنتاج مرتفع منذ البداية، يصل إلى 5 ملايين طن سنويًا، مع خطط سريعة لرفعه إلى 10 أو حتى 15 مليون طن. ورغم أن هذا التوجه يبدو مغريًا من حيث تسريع العائدات، إلا أنه يرفع بشكل كبير من كلفة التطوير، بما يشمل البنية التحتية مثل وحدات الإسالة العائمة (FLNG – Floating LNG / GNL flottant)، وشبكات الآبار المعقدة.
الدراسات التي أُجريت على هذا السيناريو أظهرت أن التكلفة الإجمالية قد تتجاوز 25 مليار دولار، مع انخفاض واضح في هامش الربح أو العائد على الاستثمار (Return on Investment – ROI / Retour sur investissement)، نتيجة ارتفاع كلفة الاستخراج أو تكلفة الوحدة (Unit Cost / Coût unitaire).
لكن الخطر الأكبر لا يكمن في التكلفة فقط، بل في سلوك الخزان نفسه. فالإنتاج المكثف من خزان غير مفهوم قد يؤدي إلى استنزاف سريع لبعض الجيوب المرتبطة، ما قد يتسبب في انخفاض الضغط أو هبوط الضغط (Pressure Depletion / Déplétion de pression)، وبالتالي تراجع الإنتاج أو حتى توقفه بشكل مفاجئ. وفي هذه الحالة، تبقى التكاليف التشغيلية أو (Operating Expenditure – OPEX / Dépenses d’exploitation) مستمرة، حتى في غياب الإنتاج، وهو ما يشكل خطرًا وجوديًا على المشروع.
هنا يتضح جوهر الخلاف: هل الأفضل إنتاج أكبر في البداية، أم إنتاج أذكى على المدى الطويل؟ التجربة العالمية تميل بوضوح إلى الخيار الثاني، لأن القيمة الحقيقية لأي مشروع لا تُقاس بحجم الإنتاج، بل باستدامة العائد.
ومع اتساع هذا التباين، انتهى المسار دون اتفاق. لم يُطلب التمديد، وأُعلنت نهاية الرخصة، واختار المشغل الأجنبي الصمت وعدم التعليق، على الأرجح حفاظًا على العلاقات الاقتصادية القائمة في مشاريع أخرى، وتجنبًا لأي توتر غير ضروري.
ومنذ ذلك الحين، أصبح ملف بيرالله أشبه برحّالة يجوب العالم بحثًا عن مستثمر مستعد للدخول في مشروع يجمع بين الإمكانات الهائلة والتعقيدات العالية. لكن الحقيقة التي لا يمكن تجاوزها هي أن الشركات الكبرى في هذا المجال تعتمد على نفس البيانات الجيولوجية، ونفس نماذج محاكاة الخزانات (Reservoir Simulation / Simulation de réservoir)، وبالتالي فإن أي عرض جديد سيكون قريبًا في جوهره من العروض السابقة، لأن العلم واحد، والمعطيات واحدة.
يبقى السؤال الحقيقي: هل المشكلة في الشروط، أم في فهم طبيعة الحقل؟ لأن بيرالله لا يرفض الاستثمار، بل يفرض منطقه. إنه حقل معقد، يحتاج إلى رؤية واستراتيجية تتماشى مع تركيبه الجيولوجي، ويفرض التدرج في الإنتاج، ولا يقبل الاستنزاف دفعة واحدة.
في النهاية، لا يتعلق الأمر بحقل غاز فقط، بل بطريقة التفكير في إدارة الثروات. فالثروات الكبرى لا تُدار بالرغبة وحدها، بل بالتوازن بين الطموح والمعرفة. وبينما يظل الأمل معقودًا على أن يجد هذا المشروع طريقه الصحيح، تبقى الحقيقة الأعمق أن:
بيرالله ثروة تحت الأرض، لكنها ما تزال محجوزة بقرارات من هم فوق الأرض…
“وفي السماء رزقكم وما توعدون”
